تبدو القضية اليمنية، وما تشهده محافظة تعز من معارك وحصار، شائكة للمتابع البعيد، لكنها في جوهرها واضحة لمن يدقق في طبيعة الصراع.
فالحوثي يطرح مشروعاً طائفياً معلناً، لا يحتاج إلى كثير من الجدل لفهم موقفه من الحقوق والمواطنة المتساوية والديمقراطية وقبول الاختلاف السياسي، أو شكل الدولة التي يريد إقامتها.
الهروب من مواجهة الحقيقة لن يغيرها. نحن أمام سلطة ميليشياوية تستند إلى رؤية سلالية وتمييزية، تكشف عنها مرجعياتها وخطاباتها وممارساتها، و أكثر من عشر سنوات من حكم الأمر الواقع في صنعاء والمناطق الخاضعة لسيطرتها.
فالمسألة ليست مجرد شعارات، بل منظومة حكم تقوم على القمع والإقصاء، وتتعامل مع المختلف بوصفه عدواً ينبغي إخضاعه. والأخطر أنها انقلبت على الإجماع الوطني، وعملت على تدمير مؤسسات الدولة.
فالخطاب التعبوي الحوثي يضع خصوم الجماعة في موضع الاتهام الديني فالخصوم كفارا، فيما يصف مقاتليها ب( المجاهدين )،
موظفاً ثنائية الإيمان والكفر لتسويغ الصراع، ونقل الخلاف السياسي من ميدان التنافس على السلطة إلى الاصطفاف الديني.
وضمن هذه الرؤية، يقدم أتباع الجماعة باعتبارهم أصحاب حق حصري في الحكم والقيادة.
إنها رؤية لا تتسع للمواطنة المتساوية، ولا ترى في الاختلاف المذهبي والسياسي حقاً أصيلاً، بل تهديداً ينبغي احتواؤه أو إزالته. وهكذا يصبح العنف أكثر من وسيلة للسيطرة؛ إذ يتحول إلى أداة تُقدم بوصفها واجباً لفرض تصور أحادي للدولة والمجتمع.
ومعركة الحوثيين على تعز تكشف جانباً جوهرياً من هذا المشروع. فتعز ليست على طريق مكة التي يحلم الحوثي بحكمها، ولا على طريق القدس التي يدعي نصرتها. إنها في موقع جغرافي عكس تلك الوجهات تماما، محافظة حملت راية النضال الوطني من أجل وحدة اليمن بل والأمة كلها، وظلت حاضرة في الوجدان العربي وقضايا الأمة، وفي مقدمتها فلسطين. فلماذا كل هذا الإصرار على إخضاعها؟
لا يمكن فصل ذلك عن البعد المذهبي الذي يحكم جوهر رؤية الحوثيين، ولا عن حساباتهم السياسية والاستراتيجية والإقليمية. فتعز، بموقعها الجغرافي والسكاني والسياسي، تمثل عقدة مهمة في معادلة السيطرة على اليمن، كما أن قربها من عدن، واشرافها على باب المندب، يفتح المجال أمام حسابات تتجاوز حدود الصراع الداخلي.
وفي المقابل، يؤدي استمرار الحرب إلى تعميق المخاوف في المحافظات الجنوبية، وتغذية النزعات الانفصالية، وتوسيع الشروخ بين اليمنيين. على مستوى المناطق المختلفة.
لكن الأخطر من الحرب ذاتها هو ما تنتجه من تحولات في بنية المجتمع اليمني.
فكلما اتسع المشروع الطائفي والمناطقي، تراجعت مساحة السياسة الجامعة، وانحسرت أدوار الأحزاب وبرامج الدولة المدنية، وصعدت قوى مسلحة تتبنى رؤى مضادة، بعضها يستند بدوره إلى خطاب مذهبي أو مناطقي متشدد .
وهنا يكمن الخطر الحقيقي: أن يتحول اليمن من دولة تتنافس فيها المشاريع السياسية إلى مجتمع تتصارع فيه الهويات المغلقة، ويصبح الانتماء المذهبي أو المناطقي بديلاً عن المواطنة، والسلاح بديلاً عن السياسة، والثأر المتبادل بديلاً عن الدولة.
إن مواجهة هذا المسار تبدأ بإعادة الاعتبار إلى الدولة الجامعة، وتأكيد موقف وطني واجتماعي يرفض الحروب الطائفية والمناطقية، ويضع المواطنة المتساوية فوق كل ادعاء بالحق الحصري في الحكم.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية الرفض المجتمعي المعلن والمنظم من داخل المناطق التي يدعي الحوثي أنها حاضنته. فالمطلوب موقف صارم من الشخصيات الاجتماعية والثقافية والسياسية، ورموز المذهب الزيدي وقيادات مناطق شمال الشمال،موقف يرفض رؤية الحوثي وتوظيف المذهب لاحتكار السلطة وتحويل الانتماء السلالي إلى امتياز سياسي.
وهذا الرفض لا يستهدف جماعة مذهبية أو اجتماعية، ولا يحمل أبناء تلك المناطق مسؤولية مشروع لا يمثل بالضرورة إرادتهم جميعاً، بل يؤكد حقهم في استعادة صوتهم وقرارهم، ورفض اختزالهم في سلطة جماعة الحوثي المسلحة. فالهوية الزيدية ليست تفويضاً سياسياً مفتوحاً، ولا يجوز اختزال مجتمعات بأكملها في مشروع يقوم على الإقصاء والتمييز.
إن انتقال الاعتراض من المواقف الفردية إلى التعبير الاجتماعي المنظم، والمقاومة المعلنة داخل مناطق سيطرة ميليشيا الحوثي ، سيؤكد أن اليمنيين ليسوا رهائن لمشروع ميليشيا مسلحة، وأن هذه الجماعة لا تمثل مجتمعاً بأكمله.
وكلما ارتفعت أصوات الرفض من داخل هذه البيئات، ويرزت المقاومة على الأرض، اتسع المجال لاستعادة السياسة بديلاً عن العنف.
اما مطالبة المناطق المعتدى عليها من الحوثي فقط بألّا توجّه إليه خطاباً يكشف طائفيته، بحجة الحفاظ على السلم الأهلي، فهي خدمة للمشروع الحوثي بامتياز.
فمعالجة الأعراض وحدها لا تشفي المريض، ومواجهة نتائج الأزمة دون الاقتراب من جذورها لن تنهيها.
وجذر المأساة اليمنية اليوم هو الصراع على طبيعة الدولة نفسها: أهي دولة المواطنين المتساوين، أم سلطة مغلقة تحتكر الحق باسم السماء والقرار باسم المذهب والسلالة؟
ذلك هو السؤال الذي ينبغي أن يواجهه اليمنيون بشجاعة، قبل أن تتحول الحرب على الدولة إلى حرب دائمة بين مكونات المجتمع، وذاكرة مثقلة بالدم.
الكاتب :سفير اليمن في المغرب
نقلا عن جريده الاهرام المصريه







































































