تدخل الحرب في اليمن مرحلة جديدة، تبدو معها نافذة الأمل أكثر اتساعا مما كانت عليه خلال السنوات الماضية. فاليمنيون الذين أنهكتهم سنوات الاحتراب والتمزق، يتطلعون إلى أن تكون هذه اللحظة بداية النهاية لتمرد ميليشيا مسلحة صنعت كابوسا طال أكثر مما ينبغي، وأن يستعيد بلدهم طريقه إلى الحياة، ويعود اليمن سعيداً، لا منبعا للفوضى ومسرحا للحروب بالوكالة.
خلال السنوات الست الماضية، عاش اليمن حالة رمادية قاتلة؛ فلا حرب حُسمت، ولا سلام تأسس، ولا ثقة بُنيت.
وفي تلك المساحة المعلقة، وجدت ميليشيات الحوثي الوقت الكافي لتعزيز قدراتها العسكرية والأمنية والاستخباراتية، مستفيدة من إرث مؤسسات الدولة التي استولت عليها، ومن الدعم الإيراني المتنامي، بما في ذلك الخبرات الفنية واللوجستية والتسليحية.
لقد أخطأ كثيرون حين استهانوا بما ورثته الجماعة من مخزون الجيش اليمني وأجهزته، وبما أضافه الحرس الثوري الإيراني إلى هذه القدرات من خبرة وتنظيم وإمكانات.
وحين اتسعت المواجهات أخيرا، وامتدت التحركات الحوثية إلى مناطق الساحل الغربي في الحديدة وتعز، وصولا إلى محيط باب المندب، ثم الاتجاه الى قلب جبال تعز وضرب قلب مدينة تعز التي تعاني من حصار طال منذ اثني عشر عاما.
برزت المخاوف من أن يكون اليمن مرة أخرى ساحة لإعادة رسم خرائط النفوذ الإقليمي، بما يهدد أمن الملاحة والتوازنات الاستراتيجية في المنطقة.
فباب المندب ليس مجرد مضيق يمني، بل شريان دولي بالغ الأهمية، وأي محاولة لاستخدامه ورقة ضغط إقليمية تتجاوز حدود اليمن لتطال العالم بأسره.
ومن الصعب فصل هذا المشهد عن حسابات طهران الإقليمية، التي تسعى إلى توظيف أوراق نفوذها في أكثر من جبهة. وإذا كانت إيران تواجه ضغوطاً في الخليج ومضيق هرمز، فإن تصاعد التهديدات في باب المندب يفتح أمامها مجالاً آخر للمناورة.
أما ادعاء الحوثيين أنهم يتحركون بقرار يمني مستقل تماما عن هذه الحسابات، فيظل موضع تساؤل جدي في ضوء طبيعة علاقاتهم بإيران وتشابك مصالح الطرفين.
لكن الحقيقة الأولى التي ينبغي ألا تضيع وسط ضجيج السرديات الإقليمية هي أن أصل المأساة اليمنية كان انقلاب ميليشيات الحوثي على الدولة ومخرجات الحوار الوطني والتوافق السياسي، ابتداءً من أحداث عام 2014، ثم فرض الأمر الواقع بقوة السلاح. لقد كان ذلك انقلابا على فكرة الدولة وعلى حق اليمنيين في تقرير مستقبلهم، قبل أن يصبح جزءاً من صراع إقليمي أوسع.
أما الحقيقة الثانية، فهي أن الحوثيين يحاولون باستمرار تقديم حربهم على اليمنيين باعتبارها حربا على خصوم خارجيين، وتسويق أنفسهم بوصفهم الممثل الوحيد لليمن. وتتجلى خطورة هذه السردية في ما يجري في تعز والحجرية، حيث لا تكفي الجغرافيا العسكرية وحدها لتفسير دوافع التوسع. فهذه مناطق ذات ثقل ثقافي وتعليمي واجتماعي، وارتبط تاريخها طويلًا بفكرة الجمهورية ومقاومة الحكم الكهنوتي، كما قدمت أعداداً كبيرة من أبنائها في صفوف القوات اليمنية المناهضة للحوثيين في جبهات متعددة.
إن تصوير التوغل في هذه المناطق على أنه مواجهة مع السعودية لا يجيب عن السؤال الأهم: ما الذي يبرر نقل الحرب إلى قرى يمنية مأهولة، لا تمثل بذاتها جبهة حدودية مع المملكة؟ إن المسافة الجغرافية وحدها تكشف هشاشة هذا التبرير،( أكثر من سبعمائة كيلومتر تبعد تعز عن مناطق نشاة الحوثي في صعدة ) ، وفي عكس التوجه الجغرافي لحدود اليمن مع المملكة العربية السعودية، كل ذلك ينسف تبرير الميليشيا الحوثية ويدفع إلى التساؤل عما إذا كان الهدف يتجاوز الضرورات العسكرية إلى محاولة إخضاع مجتمع يرفض المشروع الحوثي، وفرض انتصار رمزي على مناطق تمثل جزءًا أصيلًا من التنوع الثقافي والاجتماعي اليمني.
والأخطر أن تتحول هذه المواجهات إلى وقود لشرخ مذهبي ومجتمعي يصعب رأبه. فتعز ليست كتلة مذهبية في مواجهة أخرى، ولا يجوز اختزال اليمن في ثنائية طائفية ضيقة؛
زيدية شافعية كما يريد الحوثي .
إنها مدينة وريف يحملان ذاكرة وطنية وثقافية واسعة، وقد امتد حضور أبناؤها إلى مختلف جبهات الدفاع عن الجمهورية. واستهداف مجتمعاتها الآمنة على اساس انها رمز مذهبي للسنة والشافعية ! لا يصنع انتصارا مستداما، بل يزرع جراحا ستبقى آثارها لعقود.
اليمن اليوم أمام فرصة لا ينبغي تبديدها.
* فالحسم الحقيقي ليس مجرد تغير في خطوط السيطرة، بل استعادة الدولة ومؤسساتها، وتوحيد القرار الوطني، وإنهاء التمرد المسلح، وفتح الطريق أمام سلام عادل يحفظ كرامة اليمنيين وحقهم في الاختلاف.
لقد طال ليل اليمن، لكن الأمل لا يزال ممكناً. ولن يعود اليمن سعيداً بإخضاع مدينة أو كسر قرية، بل حين يتوقف السلاح عن مصادرة السياسة، ويصبح الوطن أوسع من الميليشيات، والدولة أقوى من مشاريع السلالة والطائفة،
والمستقبل حقاً مشتركاً لجميع أبنائه.
الكاتب سفير اليمن في المغرب
نقلا عن جريده الاهرام المصريه







































































