ليست الجغرافيا مجرد خطوط على الخريطة، ولا البحار مساحات زرقاء تفصل بين اليابسة واليابسة. هناك أماكن في العالم تختصر في ممراتها مصائر دول وشعوب واقتصادات بأكملها. وباب المندب واحد من تلك الأماكن النادرة التي تبدو صغيرة في مساحتها، لكنها كبيرة إلى حد أن اضطرابها يمكن أن يهز حركة التجارة والطاقة في العالم.
ومن هنا، فإن التطورات الأخيرة على الساحل اليمني للبحر الأحمر، وفي محيط باب المندب، تكشف حقيقة لم يعد من الممكن تأجيلها أو التعامل معها باعتبارها تفصيلاً عسكرياً عابراً؛ فأمن هذا الممر الحيوي يبدأ من قدرة الدولة اليمنية على بسط سيادتها على أرضها وسواحلها ومياهها.
لقد كشفت التطورات الأخيرة، في سواحل الحديدة وصولاً إلى المخا في تعز، والمواقع المطلة على مضيق باب المندب، وأهمها جزيرة ميون، التي تُسمى أيضاً بريم، حجم المخاطر المترتبة على ترك هذه الجغرافيا الاستراتيجية لميليشيا مسلحة لا تخضع لمؤسسات الدولة. فالموقع هنا ليس مجرد أرض إضافية في صراع داخلي؛ إنه مفتاح بحري يقف عند نقطة التقاء آسيا وأفريقيا، وعلى الطريق الذي تعبره السفن بين المحيط الهندي والبحر المتوسط.
وحين تصل جماعة مسلحة إلى مثل هذه المواقع، فإن الخطر لا يبقى داخل الحدود اليمنية. ذلك أن السيطرة على موضع استراتيجي في باب المندب يمكن أن تتحول إلى ورقة ضغط على الملاحة الدولية، وإلى أداة في صراع إقليمي أوسع، خصوصاً مع ارتباط الحوثيين بإيران، وفي ظل اضطراب أمني متزامن في ممرات بحرية أخرى، وعلى رأسها مضيق هرمز.
وما يحدث اليوم ليس واقعة منفصلة عن سياق بدأ منذ أواخر عام 2023. فمن اختطاف السفينة «غالاكسي ليدر»، إلى غرق «روبيمار»، ثم الهجوم على «ترو كونفيدنس» الذي أدى إلى مقتل ثلاثة من أفراد طاقمها، توالت الوقائع التي جعلت البحر الأحمر واحداً من أكثر الممرات البحرية تعرضاً للتهديد.
ومع تكرار الهجمات بالصواريخ والطائرات والزوارق المسيّرة، اضطرت شركات شحن إلى تغيير مساراتها، وأصبح الطريق الأطول حول رأس الرجاء الصالح، في بعض الحالات، بديلاً عن العبور من البحر الأحمر، لتتحمل التجارة العالمية كلفة صراع لم تصنعه.
والأخطر أن المسألة لم تعد تتعلق بالسفن التجارية وحدها، بل أخذت تلامس أمن الطاقة نفسه. ومع اضطراب الملاحة في هرمز خلال عام 2026، تزايدت أهمية باب المندب والبحر الأحمر وخطوط النقل البديلة، وأصبح أي تهديد مستمر لهذه الممرات قابلاً للانعكاس على أسعار النفط والشحن والتأمين، وعلى أمن الإمدادات في الأسواق الدولية.
وهنا تتضح المفارقة الكبرى: كلما تراجعت الدولة اليمنية عن شواطئها، تقدم الخطر إلى أبعد من اليمن. وكلما غابت المؤسسات الوطنية عن البحر، اتسعت المساحة أمام السلاح غير المنضبط والتهريب والقرصنة والابتزاز السياسي.
لذلك، فإن استعادة المخا وميون، وكل تهامة اليمنية ،وسائر المواقع المطلة على باب المندب إلى سلطة الدولة اليمنية ليست مجرد مسألة سيادية داخلية، ولا ينبغي النظر إليها من زاوية عسكرية ضيقة. إنها جزء من معادلة الأمن الإقليمي والدولي. فاليمن الذي يستعيد سيادته على سواحله ومياهه، ويملك خفر سواحل وقوات بحرية ومؤسسات أمنية قادرة على حماية مجاله البحري، لا يحمي نفسه فقط؛ بل يشارك في حماية طريق مفتوح للعالم.
سيادة اليمن على ساحله ليست عبئاً على أمن المنطقة، بل هي أحد شروط بنائه.
إن باب المندب لا يحتاج إلى مزيد من القوى المتنازعة على ضفافه، بقدر ما يحتاج إلى دولة يمنية تعرف حدودها وتحميها، وإلى مؤسسات تستطيع أن تجعل البحر فضاءً آمناً للتجارة، لا ساحة للتهديد.
ففي هذا المضيق الضيق، تتسع حكاية اليمن لتصل إلى موانئ العالم وأسواقه ومصانعه وبيوته. ومن باب المندب، الذي قيل عنه إنه بوابة الأحزان المشرعة في اتجاه ظلمات البحر، كان هو أيضاً شرفة اليمن نحو آفاق التواصل والتعاون مع العالم.
وقد يبدو باب المندب نقطة صغيرة على الخريطة، لكنه في الحقيقة باب يطل منه العالم على أمن اليمن، ويطل منه اليمن على أمن العالم.
ومن هنا تبدأ المعادلة التي لا ينبغي أن تضيع وسط ضجيج الصراع: لا أمن مستداماً لباب المندب من دون دولة يمنية متماسكة، ولا أمن مستقراً للدولة اليمنية من دون استعادة سيطرتها على بحرها وساحلها، وصون وحدتها.
الكاتب سفير اليمن في المغرب
نقلا عن جريده الاهرام المصريه








































































