فى الشرق الأوسط، لا تتحرك الجغرافيا وحدها، بل تتحرك معها خرائط النفوذ، وحسابات القوة، وموازين الردع. وكلما اشتعلت جبهة، أضاءت جبهات أخرى على وقع المصالح المتشابكة، حتى تبدو المنطقة وكأنها رقعة شطرنج تتبدل فيها المواقع، بينما تبقى الشعوب هى الخاسر الدائم.
من هنا، تبدو اليمن اليوم أمام لحظة فارقة. ليست عودة إلى الحرب، فالحرب لم تغادرها منذ تمرد ميليشيا الحوثى على الدولة عام 2014، وإنما احتمال انتقالها إلى مرحلة أكثر اتساعا، تتداخل فيها الحسابات المحلية مع الصراع الإقليمى، وتتحول فيها الجغرافيا اليمنية إلى أحد أهم ساحات الاشتباك غير المباشر.
ومع تصاعد المواجهة بين إيران والولايات المتحدة، تتزاحم الأسئلة أكثر من الإجابات. فإذا كانت شمس هرمز قد تغيب عن طهران بفعل الضغوط العسكرية والسياسية، فهل تبحث دولة الملالى عن نافذة جديدة عبر باب المندب؟ وهل يمكن أن تتحول الممرات البحرية إلى الورقة الاستراتيجية التى تعوض بها إيران خسائرها، وتمنحها نفوذا يتجاوز، فى حسابات الجغرافيا السياسية، ما يمثله برنامجها النووي؟.
وما قيمة برنامج نووى متعثر إذا امتلكت طهران القدرة على التأثير فى أحد أهم الشرايين البحرية التى تمر عبرها نسبة وازنة من التجارة العالمية؟ .
وهل تسعى إلى تعويض خسائرها بفرض معادلة جديدة عنوانها السيطرة على المضائق؟ لا أحد يملك يقين الإجابة، لكن المؤشرات تستحق التوقف أمامها.
منذ أسابيع، تتداول وسائل إعلام ومصادر سياسية معلومات عن استعدادات عسكرية واسعة تقوم بها ميليشيا الحوثى، تشمل تحشيدا للمقاتلين، ونقلا للصواريخ والطائرات المسيّرة، وإعادة تموضع فى عدد من الجبهات.
كما جرى الحديث عن اجتماع أشرف عليه ما يسمى السفير الإيرانى لدى الحوثيين، انتهى إلى الاتفاق على العودة إلى التصعيد العسكرى، مع تحديد ثلاث جبهات رئيسية: مأرب والجوف، وتعز المشرفة على باب المندب، بالاضافة إلى الحدود اليمنية السعودية.
(قد لا تكون كل هذه المعلومات قابلة للتأكيد، لكن الوقائع الميدانية اللاحقة، وحركة التحشيد، وتصاعد الخطاب العسكرى، تجعل من الصعب التعامل معها باعتبارها مجرد شائعات أو حرب نفسية).
ويأتى القصف الحوثى على مواقع القوات الحكومية الخميس الماضى بجريمة بشعه، و استهداف نجران خلال الأيام الأخيرة،( تطور هذا القصف الحوثي خلال الساعات الأخيرة ليشمل عشرات الصواريخ والمسيرات على ميناء المخاء في محافظة تعز) .
ليعزز المخاوف من دخول التصعيد مرحلة جديدة، ويزيد من الاعتقاد بأن أذرع إيران فى المنطقة قد تكون بصدد تنفيذ أدوار أكثر اتساعا.
لقد نجحت الضغوط الدولية منذ عام 2022 فى إيقاف المعارك الكبرى، وأوقفت عملية تحرير الحديدة واعطائها للحوثيين، وأدخلت اليمن فى حالة يمكن وصفها بـ«اللاسلم واللاحرب».
هدأت الجبهات، لكن أسباب الصراع لم تهدأ. توقفت المعارك، لكن مشروع الميليشيا لم يتوقف.
ولذلك، لم يكن الهدوء الذى عاشته البلاد سلاما حقيقيا، بقدر ما كان هدنة مؤجلة فوق برميل من البارود.
وفى ظل هذه المعطيات، تبدو الأسئلة أكثر إلحاحا من أى وقت مضى. هل بدأت بالفعل ملامح الجولة العسكرية المقبلة؟ وهل تقف اليمن على أعتاب مواجهة واسعة قد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من حدودها؟ أم أن ما يجرى لا يزال جزءا من حرب الرسائل والضغوط المتبادلة فى الإقليم؟
إن باب المندب لم يعد مجرد مضيق بحرى يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندى، بل أصبح عنوانا لصراع دولى واسع، تتقاطع عنده مصالح القوى الكبرى، وتتشابك فيه حسابات الأمن والطاقة والتجارة العالمية.
ومن يملك القدرة على تهديد هذا الممر لا يؤثر فى اليمن وحده، بل يمتلك ورقة ضغط على الاقتصاد العالمى بأسره.
ولهذا، فإن أى تصعيد عسكرى فى هذه المنطقة لن يكون حدثا يمنيا خالصا، بل يكون جزءا من معادلة إقليمية ودولية أكثر تعقيدا.
وقد تراهن إيران على أن تحريك الميليشيات التابعة لها فى أكثر من ساحة سيعيد توزيع أوراق القوة، ويخفف عنها الضغوط، ويمنحها مساحة أوسع للمناورة السياسية.
لكن مثل هذه الرهانات تعنى، فى المقابل، مزيدا من الدمار للدول التى تتحول إلى ساحات صراع بالوكالة، وفى مقدمتها اليمن. ويبقى السؤال الأكبر: هل ما زال بالإمكان منع الانفجار، أم أننا أمام فصل جديد من الحرب؟ (بين كتابة هذه الأسطر ونشرها 48 ساعة وهى كفيلة بحدوث تطورات عديدة ومربكة).
يعلمنا التاريخ أن الحروب لا تبدأ عندما تُطلق أول رصاصة، بل عندما تتجاهل الدول الإشارات التى تسبقها. ولذلك، فإن قراءة المؤشرات، والاستعداد لكل الاحتمالات، ليست دعوة إلى الحرب، بل محاولة لتجنبها.
فالسلام الحقيقى لا يُصنع بالأمنيات، وإنما ببناء القوة، وتوحيد القرار، واستعادة الدولة القادرة على حماية سيادتها.
ويبقى اليمن، مرة أخرى، أمام اختبار صعب . لابد ان يفوز فيه، وسيعمل، فهذا شعب (ذو قوة وبأس شديد).
وكطائر الفينيق، سنراه ينبعث من الرماد،فذاك قدره منذ سيل العرم الى حرب المضايق!.
ولعل الخطوة الأولى في طريق استعادة الاستقرار تكمن في إنهاء تمرد الميليشيا، واستعادة مؤسسات الدولة.
وحين تُكسف شمس هرمز، قد يظن البعض أن باب المندب هو القمر البديل. لكن الحقيقة أن المضائق قد تكون أوراق قوة للدول، بينما تظل الأوطان هي أول من يدفع ثمن تحويل الجغرافيا إلى سلاح، والبحار إلى ميادين صراع، والإنسان إلى رقم جديد في سجل المآسي.
الكاتب :سفير اليمن في المغرب
نقلا عن جريده الاهرام المصريه











































































