لا شيء يوحّد الشارع المغربى مثل قضيتين: فلسطين ووحدته الترابية.
وفلسطين هنا ليست مجرد قضية عابرة، بل نبضٌ عابر للأجيال، وذاكرةٌ حيّة توقظ فى الإنسان ضميره كلما أوشك أن يخبو… كما هى وحدة الأرض فى وجدان المغاربة.
وفى زمن تتكاثر فيه خيبات الواقع، وتتعالى فيه صور الانهيار، يبقى وميض هذا الحق ساطعا، يفتح للروح المتعبة نافذة نحو المعنى. وكأن فلسطين، فى حضورها الدائم، تعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان وكرامته.
فى الرباط، خلال أسبوع مزدحم بالفاعليات، بدا المشهد الثقافى وكأنه يكتب فصلا جديدا من هذا الانتماء؛ من أروقة المعرض الدولى للنشر والكتاب بالرباط، إلى لحظة تتويج جائزة الأركانة العالمية للشعر التى منحها بيت الشعر فى المغرب هذا العام لشعرية فلسطينية جماعية، «أربعة شعراء طاهر رياض، وزهير ابوشايب ويوسف عبدالعزيز وغسان زقطان»
فى احتفاء بثراء التجربة وتعدّد أصواتها.
هكذا بدت الرباط منصة للقصيدة وهى تعانق قضيتها، وللثقافة وهى تكتب التضامن بلغة لا تخطئها الروح.
فى إحدى الجلسات الثقافية العامرة هذا الأسبوع، استمعتُ إلى مارسيل خليفة وهو يروى كيف يستقبله الجمهور بعبارة: «مرحبا بالفنان الفلسطيني»،
فيبادرهم بابتسامة مصحوبة بتصحيح: «أنا لبناني». لكنهم، بإصرار عفوى، يجيبون: «نعم نعرف… ومرحبا بك أيها الفلسطيني!».
ذلك الإصرار الشعبى لا يخطئ جوهر الحقيقة؛ فالفن حين يخلص لقضية، يصبح هوية تتجاوز الجغرافيا. وإذا كان الحديث عن تجربة مارسيل خليفة، فلا بد أن يحضر صاحب «فى حضرة الغياب»، محمود درويش، ذو الظل العالى، بكل بهاء التجربة المشتركة.
لقد شكّل الثنائى مارسيل خليفة ومحمود درويش علامة فارقة فى وجداننا الجمعي؛ إذ رفعا الكلمة من عتمة الواقع إلى أفق أرحب، حيث تمتزج القصيدة بالموسيقى لتصنع أثرا يتجاوز كل خطاب سياسى مباشر.
كانت أغانيهما محطات للذاكرة، ومرافئ للروح، وحشدا ناعما لا تقل قوته عن أى تعبئة تقليدية.
يغنى فى البال أغنية يا أُخت، عن بلدى .
وتصرخ عشرات الآلاف مع ملحمة أحمد العربى، وهى تبحث،عن يدين من حَجَر وزعترْ .. عن هذا النشيدُ.. لأحمدَ المنسيّ بين فراشتين، عن الغيومُ التى شرّدتنا، عن الجبال التى رمتْ معاطفها وخبّأتنا .
وتصمت الأرض حين يهمس : «أحنّ إلى خبز أمي».
ولذلك، يظل الأمل قائما فى أن يرى عمل «الجدارية» النور؛ ذلك المشروع الذى أنجزه مارسيل خليفة وتحدث عنه فى لقائنا الأخير بشغف جميل .
مستلهما قصيدة محمود درويش» الجدارية»، تلك القصيدة الممتدة فى ديوان كامل .
التى واجه فيها الشاعر أسئلة الوجود والعدم، وصارع المرض والموت، وفتح أبواب التأمل على مصاريعها.
وقد عُدّت «الجدارية» من أهم أعمال درويش، بل «القصيدة القمة»، فى تجربة شعرية بلغت ذروتها. ويأتى الاشتغال الموسيقى عليها من مارسيل امتدادا طبيعيا لمسار جمع بين الفن والفكرة فى صيغة نادرة.
أتمنى ان نرى هذا الإنجاز يعرض جماهيريا، بما يستحق من البهاء .
إن الانتماء إلى فلسطين يتجاوز الهوية القومية، ليغدو إيمانا عميقا بالحق. وقد كانت لنا، نحن أبناء هذا الجيل، محطاتٌ لا تُنسى مع هذا المسار؛ من اليمن إلى لبنان، وعمان إلى مصر وتونس والمغرب، حيث ظلت فلسطين أفقا مفتوحا للمعنى.
هى أغنية العمر… تلك التى لم تُكتب بعد كما يجب، مهما كُتب فيها ولها.
أغنية/ ثورة تمنح المنتمين إليها أكثر مما تأخذ منهم، وتبقي— رغم كل ما يحيط بها— ملاذا للروح، حين تضيق بها الأرض.
الكاتب سفير اليمن في المملكه المغربيه
نقلا عن جريدة الاهرام المصريه






































































