الإهداء لشقيقتى الصغرى ، والأثيرة على قلبي منذ طفولتها : فيروز السقاف ، عاشقة تعز الأرلى
لم تعدالمدينة ملك نفسها ، أصبحت محط أنظار العالم . اكتسبت شهرتها من الحصار الجائر . وصمودها الأسطوري الخالد .
حين يسألني الناس هنا في مصر :
من أين أنت ؟
من تعز
يتبع السؤال الآخر :
كيف تعيشون ، تصمدون . تقامون . تواصلون الحياة ، فترى الفخر في عينيه وهو يغادر
يعيدا عن تلك الطرفة المتداولة بين أهل اليمن :
أجدع ناس ، ولو قلت له أنك من قٓدٓسْ حيث لم يسمع بها بتاتا . ولم توجد في خارطة الكون .
حتى صاحب الروبابيكيا – بيكيييييا ، كما يدللها ويدلعها صاحبها ، الذي يتفنن في التنغيم وهو يطوف المدينة عارضا بيع وشراء كل شيء مستهلك وقديم . هذا الروبابيكي الرائع الذي صادفته في المهندسين ، وحاولت فتح حوار عابر معه ، صافحني بحرارة حين أعلنت تعزيتي !
هل تقدّرون قيمة ما اكتسبته المدينة من بطولات في أوساط البيئات المتنوعة والمختلفة في العالم ؟
شخصية بارزة ، تجسّد أناقة تعز وشموخها في وجهها الأبرز ، الفنان – الفلتة محمد الأكمه ، ذلك الرجل الفارع الطول ، النحيف كسنبلة مرويّة ، تحمل سبع سنابل أو أكثر ، من ملابس آخر ماأنتجته دور الأزياء في باريس ، روما ، لندن ، برلين . القبعات ذات الألوان الفاقعة ، وربطات العنق المرفرفة بفراشات زاهية ، والحذاء اللامع تحت بريق الدهان ، والشعر الهندي المسترسل في الخلف ، والمتسرب من بقايا القبعة ، القيثارة المعلقة في كتفه بدلا عن البندقية ، والكتاب الذي يتأبطه بحنان رفق قلبه ، وكأنه يراقص حبيبته رقصته الأولى .
هذا الفنان – المثقف ، الشامخ في مشيته ، رافعا رأسه صوب السماء ، يثير البسمة والضحكة ، بل والسخرية ممّن لا يفهمون ، حين يعبر أزقة المدينة وشوارعها ، يتلقى التحيات كأمير غادر لتوه قصره ، يرفع قبعته عاليا ، ردا للتحية ، يحتضنك بحرارة المفارق الولهان ، إن كنت صديقه الذي لم يره من زمن طويل . تشعر بأنه قد منحك بركاته وقداسته ، وهو يزيح الكتاب قليلا ، كي يربت على كتفيك ، رضى وسعادة ، ويصحبك إلى مقهاه المفضل كي تتناول- مع هذا الكائن السماوي الذي تراه نمطا بشريا متميزا – كأسا من الشاي أو عصيرا من الليمون .
ذلك صديقي – الفنان محمد ، الذي يمتلك صوتا جهوريا ، وحنجرة ذهبية ، ذات أبعاد وأطوال مدوزنة من الفطرة ، يشارك هو بتطريبها وتدليلها ، وتغنيجها ، حين يسحب ذلك الصوت المتجمع فيه كل عناصر الطبيعة :
الريح – الرعد – البرق – الهمس – المطر – الحنان – الدفء .. كي تعيش غيبوبة اللحظة الطربية الخارجة من الأعماق !
هل يمكن أن تنكسر تعز ، وهذا أحد فرسانها ، الذي يبعث الفرح، الحلم ، الحرية والعدالة . هذا الفنان الفريد عصره ، والذي قُمعت مواهبه بفضل سيطرة الجهل ، وعدم تقدير المواهب .
ما أشبهه بنبلاء العصر القديم ، بل ما أقربه من صورة الرجل ( الجنتلمان ) الأنيق بروحه وملابسه وأفكاره العصرية .
لن تعرفوا تعز ، إن لم تشاهدوا الفنان – المعجزة !
ولن تكون تعز الصامدة ، إن لم تحافظ على هذا الإرث المتحرك !
أكثر ما يثير القتلة ، وخونة الحصار ، وجود فنان يصرخ بأعلى صوته :
إرحللللللللللوا …
هل أشوّه مقالتي بذكر من يساهمون في خنق مدينتي ؟ هل أقول سرا ، هل أنتم على جهل من ذلك :
القوى العالمية الغاشمة – شر التحالف ، وقوى الظلام والجهل والتعتيم ، تجار الحروب ، محترفوا الجرائم واللصوصيات ، ممحكات أمراء الحرب ، وتقاسم النفوذ .
لماذا هذا الحصار العنيد ، أقيام الساعة موعده ؟
من المستفيد ؟ تلك هي المسألة To Be Or Not To Be .
أن نكون أو لا نكون
تلك الحكمة الشكسبيرية على لسان الأمير الدانماركي هاملت ، حين أراد الانتقام لوالده الملك ، الذي اغتيل غدرا ومكرا من قبل عمه الذي استولى على المملكة وتزوج بوالدة هاملت ، وزوجة أخيه الملك المغدور .
هل كانت السيول والأمطار المتدافعة من الجبال المحيطة في المقاطرة ، لتحصد تلك الأرواح الطاهرة ، وتدمر السلع والمركبات ، لو كانت طريق الدمنة – الراهدة – كرش – عدن ، مفتوحة ؟
لن تركع المدينة ، ولن تتوقف عن صراخ :
إرحلوا .. وهاهي تعيش أزهي سطوتها وكرامتها ، ، وتشارك العالم في تدريس كيف تُكتسب الحرية ، حين تكون وطنا شامخا ، ألقا ، له بريق الشمس ، وضوء القمر العاشق .
هل يهمنا أن ندخل التاريخ ضمن المدن العالمية المحاصرة :
ستالينجراد الإمبريالية – أفغانستان – بغداد المغول ، وبغداد الفرنجة – حصار التتار ، لتتصدر تعز فنون الحصار ، تعز جراد، تعز – ستان ، تعز التي لن تكون كما كانت من قبل أو بعد ، ودماء الشهداء الطاهرة ، قد غسلت كل أدران الشر .





































































