النصيحة الأصعب تلك التى يصر عليها الأطباء بالقول: «ابتعد عن كل ما يبعث على التوتر». وتلك نصيحة صعبة دونها صيد السمك المشوى فى المجرة!، كما يقول عشاق المستحيل. ومع ذلك وجدتنى مرغما على أن أعمل بالنصيحة ومحاصرا فى غرفة استراحة معقمة، ضد صداع الأخبار وصراع الساسة. والوقت لا يسمح بالكتابة عن غير هذه اللحظة. احتراما لكل هذا البياض. وحتى لا يتبدد العمر فى محطات التوتر التى لا تنتهى.
ومع ذلك تعجبنى لحظات التمرد الصغيرة على الأوامر الطبية عندما يقتحم صديق خلوتك ويقول افتح التليفزيون لتتسلى، فاسأل كيف؟ ويرد: هناك جلسة مباشرة للأمم المتحدة وأخرى لمجلس الأمن ويطلق ضحكته ويكمل قبل أن يخرج: لا تتابع أى مسرح جديد لأنه إسفاف يضر القلب، المسرح هناك وأشار إلى اجتماع أممى غص بالبدلات الرسمية.
ولكنى كنتُ قد عقدت العزم ألا أبدد الوقت بالحديث عن السياسة، وأوفر هذا الوقت لما يبعث على قليل من الهدوء المنشود.
وخدعة الوقت معنا مستمرة منذ الأزل، لم تحلها نظريات العلماء ولا تهويمات الشعراء، الوقت سيد الغدر فى كل مكان، ومع كل إنسان، هو يحسب من أعمارنا أعواما ونحن لم نعش منها سوى أيام قٍلائل. لأن القياس الحق للعمر لا يكون بعد السنوات، ولا بنظام الزمن ذاك النظام الذى أضاع اينشتاين نصف حياته يشرحه لنا ولم نفهمه!.
هذه أسئلة مُختلًة وتحمل إجابات مُخاتلة .كنتُ قد قرأت ما أعجبنى فى رواية فوضى الحواس لأحلام مستغانمى منذ أكثر من عقد ونصف العقد عن تلك الأسئلة الحائرة المحيرة مثل :
” يسألونك ما عمرك.. لا كم عشت من هذا العمر. يسألونك أيّ مدينة تسكن.. لا أيّ مدينة تسكنك. يسألونك هل تصلّي.. لا يسألونك هل تخاف الله. ”
ولذا لا نجيب عن هذه الأسئلة بغير الصمت. فنحن عندما نصمت نجبر الآخرين على تدارك خطئهم”.
وعاودتنى خواطر قرأتها ذات لحظة تعب، تأتى مع كل منعطف للمرض، وانهيار جزء من الجسد، هى عن الإهمال المتعمد للنفس.(وكيف الجسد ينتقم منك فى أن يستسلم للتعب، ولا يتصدى لنهش انياب خبيثة تنال منه).
وأنا أشفق على الأطباء مثلما أشفق على المرضى، حيث يدخل الطبيب مبتسما فى صباح خريفى ليشق قلب كاتب متعب، فلا يجد شرايين مسدودة بل غرفة أخبار كئيبة، فتصيبه شظايا الوجع قبل أن يداوى ثقبا لا يكتمل، فيخرج الطبيب محملا بالأسى والكاتب مبتسما لسماء الله يذرعها ضاحكا على أيام من العمر يسأل: أين تسربت منه!.
نعم العمر يحصى بلحظات السعادة لا بسنوات الحضور إلى الدنيا، ويبقى مقياس السنوات مُختلا وخادعا، ولابد لنظرية الزمن أن تغادر معامل الفيزياء، وتعود إلى سماء الموسيقى، فسنوات العمر نسمعها ونحسها لانكتبها ارقاما، نعيشها بجروحها وصخبها لا مجرد خانات انتظار فى ملف القوى العاملة.
من هذه اللحظة سنعد هذا العمر بالفيمتو ثانية، وليس بالسنوات، ورحم الله احمد زويل واكتشاف هذا الفيمتو الدقيق للقياس. فقد كان يدرك أهمية الزمن وخسارات العمر، وكان فى الحق شاعرا أخطأ طريقه إلى معامل الكيمياء، وأبدع قصائد سماها العلماء أبحاثا استحقت نوبل. وإلا كيف هذا القياس الدقيق للزمن ولحظاته؟ لا يكون تهويمات شعر . وإحساس شاعر.؟
فى المطار كما فى المستشفى، لا أحب قائمة الأسئلة الجافة هذه عن عمرك، واين كنت واين ستذهب؟ وماذا تعمل؟ وسبب الزيارة؟ تلك أسئلة تذكرنا بزمن الأقبية السرية التى عانينا منها، وتسرب بسببها ما نسميه عمرا يقاس الآن بالندبات المعلومة فى القلب جُروحا وليس بالسنوات.
فى مهبط الطائرة كان فى البال مقطع من قصيدة ناظم حكمت، ما انفكت دوما على البال تقول (أجمل الأيام تلك التى لم تأت بعد، وأجمل الأطفال أولئك الذين لم يولدوا بعد، وأجمل البحار تلك التى لم نخض غمارها بعد).
وفى قريتنا اليمنية المعلقة بالغيوم يقول الفلاحون: أول العمر يأتى غدا … وتلك حكمة الأرض التى تفتح نافذة للضوء فى سماء حالكة السواد.
نقلا عن جريده الاهرام المصريه
الكاتب سفير اليمن في المغرب